3 تمارين عمليّة ستساعدك على الوصول إلى صوتك المميّز في الكتابة
لماذا تتغيّر لغتنا حين نكتب، وكأننا أشباح قادمة من العصر العباسي، أو شخصيات تتحدث في فيلم وثائقي مدبلج؟ غالبًا ما نستخدم في كتاباتنا كلمات لم ننطق بها من قبل، ونسلك كل الطرق الممكنة لتفادي التعبير بوضوح عن مشاعرنا بلغة مباشرة تخاطب القارئ. يكمن السبب في الخوف، الخوف من عاقبة التعبير عن الحقيقة وعن ذواتنا الأصيلة. لكن هذا الصوت الفريد الذي تبحث عنه موجود بالفعل، وكل ما يحتاجه هو بعض التمرين ليظهر بوضوح وقوة.
بين التأثر العميق والمحاكاة السطحية
في رحلة الكتابة، تُنصح دائمًا بقراءة أعمال أعظم الكتّاب، من تشيخوف إلى المتنبي ودوستويفسكي. مع كل صفحة تقرأها، تظهر غواية تقليدهم ومحاولة السرقة من أساليبهم المبهرة. كيف بنى هذا الكاتب جملته بهذه الطريقة السحرية؟ كيف وصف ظلمة الليل بهذه الدقة؟ هذه الأسئلة تقودنا إلى محاكاة الكبار، وهو تدريب مفيد في البدايات، لكنه ليس الغاية النهائية.
إن الغرض الحقيقي من تذوق روائع الأدب هو فتح بوابات عقولنا لإدراك الآفاق الممكنة والدرجات العالية التي يمكن للغة أن تصل إليها. الهدف هو إعادة ضبط معاييرنا الداخلية للتعرف على العظمة وتمييزها، حتى نتمكن من اتخاذ آلاف القرارات الصغيرة في حياتنا التي قد تؤدي يومًا ما إلى إنتاج أعمالنا العظيمة الخاصة. قراءة أعمال الكبار تمنحك مثالًا حيًا للفن الذي يمكنك الوصول إليه، لكنها لن تمنحك قصتك الأصيلة أو صوتك الفريد الذي لم يسمعه أحد من قبل.
قبل البحث عن الصوت: قواعد الوضوح الست
عالمنا مليء بالكتابة الميتة والمملة التي يبدو أنها كُتبت بهدف طرد القارئ وإصابته بالضجر. نجدها في سياسات الخصوصية، وعقود البنوك، والمستندات الرسمية. قراءتك لنص لا تفهمه هي علامة خطر، لأن اللغة المنمّقة والمعلّبة تظهر غالبًا لسببين: إما أن فكرة الكاتب غير واضحة في ذهنه، أو أنه يحاول إخفاء الحقيقة والتلاعب بها. كلما زاد الغموض غير المبرر في النص، انخفض الجهد العقلي الذي بذله كاتبه.
للتخلص من عادات الكتابة السيئة، يقدم لنا الكاتب جورج أورويل ست قواعد أساسية تساعد على تنقية الكتابة من نفايات الكلام والغموض. هذه القواعد هي بوصلتك نحو الوضوح، وهي خطوة ضرورية قبل أن يتمكن صوتك الحقيقي من الظهور:
- لا تستخدم استعارة أو جملة فقط لأنك قرأتها في صحيفة أو تقرير منشور.
- لا تستخدم كلمة طويلة إذا كانت الكلمة القصيرة تفي بالغرض.
- إذا استطعت حذف كلمة من جملتك دون الإخلال بالمعنى، فاحذفها فورًا.
- إذا استطعت الكتابة بضمير المتكلم، فلا تكتب بصيغة المبني للمجهول.
- لا تستخدم عبارة أجنبية أو كلمة علمية إذا كان بإمكانك التفكير في معادلها في لغتك اليومية.
- اكسر هذه القواعد قبل كتابتك لجملة همجية منمّقة تُشعر القارئ بالضجر، ولا تعرف مقصدك منها.
الكتابة هي تفكير مستمر وعمل ذهني لا ينتهي. عليك أن تختبر كل جملة تكتبها بهذه الأسئلة: ما معنى هذه الجملة؟ ما الكلمات التي ستعبر عنه بدقة؟ هل يمكن جعلها أقصر؟ إدراكنا لهذه الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو كتابة نصوص واضحة وصادقة.
3 تمارين عمليّة لصقل صوتك الكتابي
بعد أن فهمنا أهمية الوضوح وأدركنا أن صوتنا ينبع من تجاربنا، حان الوقت للانتقال إلى التمارين العملية التي ستساعدك على اكتشاف هذا الصوت وصقله. هذه التمارين ليست وصفات سحرية، بل هي ممارسات مستمرة تبني علاقة أعمق بينك وبين كلماتك.
1. تمرين الإنسانية: اكتب من قلب تجربتك
حين نعجب بأسلوب كاتب ما، فنحن في الحقيقة نعجب بشخصيته التي عبّر عنها في كتابته. الأسلوب ليس مجرد كلمات غريبة أو لغة معقدة، بل هو طاقة الكاتب التي أشرقت على القارئ. صوتك هو انعكاس لإنسانيتك. لذا، قبل أن تكتب، اسأل نفسك: ما سبب كتابتي لهذه الكلمات؟ ما هي مشاعري وأحلامي وخيباتي المرتبطة بهذا الموضوع؟ عبّر عن هذه الإنسانية بصدق، ودع شخصيتك تظهر في النص. هذا هو ما سيجعل القارئ يتصل بك على مستوى أعمق.
2. تمرين الحذف القاسي: قلّم الفوضى دون رحمة
الكتابة الواضحة هي انعكاس للتفكير الواضح، والجمل الواضحة لا تأتي مصادفة، بل هي نتيجة جهد وعمل كبير في التحرير. الكثير منّا يضيف كلمات وعبارات غير ضرورية لتبدو كتابته أكثر مصداقية أو عمقًا، مثل كتابة "في اللحظة الراهنة" بدلًا من "الآن". هذه الكلمات هي نفايات كلام تخفي صوتك الحقيقي تحت طبقات من الفوضى.
ابحث عن الفوضى في كتاباتك وقلّمها دون رحمة.
- ويليام زينسر
لإتقان هذا التمرين، يقترح الكاتب ويليام زينسر أربع خطوات عملية:
- ابحث عن أي كلمة أو جملة يمكن حذفها دون خسارة المعنى.
- لا تحذفها مباشرة، بل ضعها بين قوسين.
- اقرأ النص كاملًا واسأل نفسك: هل وصل المعنى بعد حذف كل ما هو داخل الأقواس؟
- حين تكتب نصًا جديدًا، سيبدأ عقلك تلقائيًا بتفادي العبارات الفارغة.
3. تمرين الخروج إلى العالم: اجمع مادتك الخام
الكتابة الحقيقية تحدث خارج الصفحة بقدر ما تحدث داخلها. للعثور على قصتك وصوتك الخاص، عليك الابتعاد قليلًا عن القراءة والاقتراب أكثر من ذاتك. عليك عيش حياة كاملة، وتجربة فنون أخرى، وخوض مغامرات جديدة بعيدة عن الكتب. صوتك يتشكل عندما تختبر قدرتك على التحمل، وترى نفسك تتفاعل مع تجارب العالم الحقيقي، وتفشل وتنجح ثم تفشل مرة أخرى في سبيل الوصول إلى هدف نبيل.
قبل أن تجلس أمام الصفحة البيضاء، عليك أن تعيش تجربة الحياة وتختبرها بحواسك الخمس. هذا سيمنحك ذخيرتك ومادتك الخام التي لا يملكها أي شخص آخر. إذا نجحت في خلق لغة متقنة دون تجربة حقيقية، ستتحول إلى مجرد حرفي يجيد المحاكاة، لا فنان يبتكر نصوصًا تعبر عن تجربته وتغير حياة قرائه. اخرج إلى المجهول وابحث عن قصتك أولًا.
صوتك هو بصمتك في العالم
إن الوصول إلى صوتك الكتابي ليس وجهة تصل إليها مرة واحدة، بل هو رحلة مستمرة من الاكتشاف والصقل. إنه مزيج فريد من تجاربك الحياتية التي لا يشاركك فيها أحد، معبرًا عنها بوضوح وصدق بعد تنقيتها من كل ما لا يخدم المعنى. صوتك هو شخصيتك وقد تجسدت في كلمات، وهو ما يميزك عن أي كاتب آخر.
لذلك، لا تقلق كثيرًا بشأن اللغة والمفردات في البداية. بدلًا من ذلك، اخرج إلى العالم وابحث عن قصتك. عش تجاربك، واجمع مادتك الخام، ثم عد إلى الصفحة البيضاء لتشارك العالم بصمتك الفريدة. هذا هو الطريق الحقيقي نحو صوت لا يشبه أي صوت آخر.







